باقلامهم - الدكتور نسيم الخوري

أبحث من لبنان عن نجمة الميلادات الضائعة

الإثنين ٦ كانون الثاني ٢٠٢٠ - 06:14

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

كيف يرتسم هذا المكان في أذهان البشر بعد 2019، سنة من بعثرة الرماد وتدمير المذود الأوّل؟ كيف يلامسون فلسطين والمذود؟

من لبنان، جاءتني الأجوبة الميلادية قيصرية وبسرعة: ميلاد المخلّص بارد ومخيف، ميلاد العام الجديد مبهم وحافل بالخوف. ميلاد "الثورة" مسجون بين قوسين لكنه ينمو بقوّة وسيتحرّر. ميلاد الحكومة القيصرية مفتّت تقليدي أصفر اللون، خجول بين حناجر الساحات وصمت المقهورين في البيوت الباردة.
بهت تقديس الأمكنة ما أعادني إلى المكان والمذود الأوّل في فلسطين، حيث الصخرة المقدّسة التي جعلها يعقوب وسادة له، ورأى اليهود سليمان يشيّد فوقها الهيكل الأوّل في المكان الذي حدّده له أبوه عند جبل الموريّا، إذ حاول إبراهيم التضحية بإبنه إسحاق. حينها، خرج المكان العالمي في كلام الله لموسى قائلاً: "لا تقترب من هنا. إخلع نعليك فالمكان مقدّس".
تستقرّ القداسة نواحًا إذن أمام الجدار الذي يرتدي فيه اليهود وزعماء العالم القلنسوة بعينٍ واحدة، ويتأوهون للذود عن المكان السياسي العالمي المقدّس أي "إسرائيل". من هذا المكان طفحت السياسة على مضامين القداسة وتخربط كلّ منطق.
السؤال مقيم في أفواه العجائز المؤمنين بمسابحهم الطويلة، أو في زوايا البيوت، حيث ينتظر الأطفال "بابا نويل" من فوهات المواقد حاملاً الهدايا الحمراء ( أنظر الحمراء)، لكنّ المواقد في الدنيا تنطفيء ولا يصل المزركش. ينام الأطفال نصف نوم بين الحلم بالهدية والحزن على النوم الذي غالبهم، فينقلهم الأجداد الى أسرّة الأبناء والبنات، ويروحون بصفّ أكياس العلب واللعب والهدايا تحت الشجرة بإنتظار صباح جديد. هنا يتآكل المكان ويقضم بالمعنى البشري والوطني والسياسي والكوني لحم المولود. ويبقى الحزن في الزوايا التي تُسحَب منها أشجار الميلاد وتعلّق فوقها الكرات الملوّنة، ويولد تحتها إبن مريم في حفنةٍ من القش اليابس، لأنّها زوايا إحتفالية عابرة معتمة خالية من أي معبر مضيء.
صحيح أن الطفل الناصري ولد في مذود، لكنّ الكنائس عظّمته فعمّت الأرض بالمعانى الإجتماعية والسياسية، وتزارك الشعوب والدول. صرنا نجد الكاثوليك يحجّون نحو مغارة "سانت لورد"، والبروتستانت يخرجون من الأمكنة كلّها نحو المكان السياسي المحصور ب"مقبرة غيتسبرغ"، في الوقت الذي يحنّ فيه بقايا الروس الى قبر لينين ويزورمعظمهم الكاتدرائيات والقبب الأرتوذكسية، متتبّعين مزاوجة السياسة بالدين بحثاَ عن يقظة سدّ القسطنطينية في التاريخ تحت غبطة أوروبا وإنقسام المسلمين
ولو حججنا حبراً نحو الحجر الأسود المكعّب الملفوف بقماشٍ أسود مطرّز، نرى الحجّاج المسلمين يسعون جاهدين في الأرض ونجمتهم تسليم أمورهم لله، ليزهو المكان في الأرض كلّها عند فلش السجادة والتوجّه نحو القبلة والركوع فالصلاة.
وتجاوزاً لتوظيفات الدين وخلطه بالسياسة، فإنّ أنامل النساء القبطيات كنّ يطرزن الثوب الأسود الجميل الذي يلفّ به الحجر الأسود، تذكّر دوماً بعظمة الإرتقاء بين المسيحيّين والمسلمين.
يتحاشر المؤمنون الوارثون لكلمات التوحيد الثلاثة في الأرض، لكنه تحاشر لم يتّخذ مداه في التلاحم الإنساني طرداً للظلم والقهر والغلبة والجوع بين كلمةٍ وأخرى. يبقى الصمت العميق صلاة للفقراء والمحتاجين والبؤساء والمعذّبين والمكسورين والمشرّدين في الأرض.
قد تتعاظم الأمكنة المعاصرة لتمجّد السلاطين، بما يذكّرني بالأسطورة الفارسية حيث تبدو الشجرة الأولى تظلّل التنين، بينما يضع عصفور السعادة بيضة الحياة فوق غصنها الأعلى. تشابه هذه البيضة المقدّسة اليمامة التي تسبقنا لتقف فوق قبب أوروبا وأميركا قبل أن نصل إليها بالمصاعد الهائلة السرعة، وهي بهذا تذكّرني بالنجمة التي يضعها المسيحيون فوق الغصن الأعلى لشجرة الميلاد في زوايا بيوتهم ووسط ساحات مدنهم.
للأسف، لقد أضاع العالم نجمته التي تدخله الى السماء من أعلى شجرة الدنيا.
 

  • شارك الخبر