hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

582

7

29

19

67

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

582

7

29

19

67

الحدث - د. أنطونيوس أبو كسم

إشكالية السلطة الدستورية الصالحة لاتخاذ القرار بشأن "اليوروبوند" والمسؤولية الدولية

الإثنين ١٧ شباط ٢٠٢٠ - 08:55

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

في عهد الرئيس إميل لحود، وبتاريخ 24 شباط 1999، قرّرت الحكومة اللبنانية برئاسة دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الاستدانة بالدولار الأمريكي من الأسواق العالمية لتقليل كلفة الدين العام الذي كان بمجمله بالليرة اللبنانية عبر إصدار سندات يوروبوند. إنّ اليوروبوند هو عبارة عن صكّ دين بالدولار الأمريكي تصدره الدولة اللبنانية كجهة دائنة وهو مدرج على بورصة اللوكسمبرج وبورصة بيروت.  تمّ إصدار سندات اليوروبوند بقيمة مليار ومئتي مليون دولار أمريكي في 8 آذار 2010 وبفائدة سنوية بقيمة 6,375% بعد موافقة مجلس الوزراء على الإصدار بتاريخ 19 كانون الثاني 2010 بعد تفويض من مجلس النواب. وكانت السلطة التشريعية قد فوّضت الحكومة القيام بإصدار اليوروبوند عبر سلسلة قوانين بدءاً بالقانون رقم 95 الصادر في حزيران 1999 وصولاً إلى القانون رقم 113 تاريخ 22 آذار 2019 كون كلّ إصدار جديدِ يرتّب عبئاً مالياً على الدولة.

أسابيع قليلة تفصل لبنان عن استحقاق تسديد الإصدار المستحق  في 9 آذار2020 وفقاً للنشرة الاستثمارية الخاصة بإصدارات اليوروبوند في حين يشهد لبنان أزمة مالية واقتصادية. فالدولة اللبنانية على شفير إعلان إفلاسها وسط تعثّر المصارف عن الدفع للمودعين، في حين أنّ نسبة كبيرة من أموال المصارف قد تمّ استدانتها من قبل المصرف المركزي، الذي وللأسف يعاني حالة تعثّر جديّة بدوره. وبالتالي، إنّ تسديد مصرف لبنان الإصدار المستحق في آذار القادم والبالغ 1,200,000,000 دولاراً أميركي سيكون فعلياً من أموال المودعين لدى المصارف التجارية.

وأمام هذا الواقع المرير حيث يعجز المصرف المركزي حتّى من احتساب أرصدته الدائنة والمدينة (جردة الموجودات)، ينقسم الرأي في لبنان على أنّ يجب على الدولة احترام موجباتها التعاقدية خصوصاً وأنّ الدولة هي خصم شريف، ورأي آخر يشجّع الدولة على عدم التسديد كونه أصبح معروفاً أنّ الدولة اللبنانية غير قادرة على الدفع وبالتالي ليس هناك من سوء نيّة وأنّ تسديد الإصدار سيكون على حساب المودعين أي من أموالهم.

على الصعيد القانوني، إنّ مجلس النواب قد فوّض الحكومة إصدار سندات الخزينة وتسديدها. وبالتالي، إنّ قرار التسديد في ما خص إصدار اليوروبوند في آذار القادم، هو قرار يعود لمجلس الوزراء فقط دون حاجة لموافقة مسبقة من مجلس النواب. أمّا قرار عدم التسديد أو قرار إعادة جدولة الإصدار، فهي قرارات تخرج عن مدى التفويض الذي منحته السلطة التشريعيّة للسلطة التنفيذية. وعليه، إنّ قرار الحكومة بعدم التسديد يحتاج لقانون جديد يقرّه مجلس النواب وكذلك الأمر بالنسبة لقرار الحكومة بإعادة جدولة الإصدار. فالحكومة غير مخوّلة اتخاذ قرار عدم التسديد، وفي حال تفويض السلطة التشريعيّة، للسلطة التنفيذية سلطة استنسابية لاتخاذ القرار المناسب، فقانون التفويض لا يلزم الحكومة، بل يمنحها صلاحية استثنائية.

إنّ قرار عدم التسديد يحتاج إذاً لقانون جديد يفوّض بموجبه الحكومة. وأمام هذا الاستحقاق الجلل الذي يهدّد مصير المودعين، إنّ المسؤولية تقع على السلطة التشريعية، فهي التي يجب أن تقرّر بكلّ مسؤولية ما إذا كان يجب تفويض الحكومة بقرار عدم التسديد أو عدم تفويضها. فمسؤولية اتخاذ قرار عدم التسديد قد يرتّب نتائج على المستوى الدولي، وهكذا قرار لا يتخذه إلا ممثلي الشعب، ولأهمّيته فالوكالة النيابية تقتضي حضور جميع النواب لمناقشة الأمر كونه يتعلّق بمستقبل الدولة وبمصير مواطنيها.

إنّ مصرف لبنان قد تدخّل في عمليّة اليوروبوند تدخلاً تجارياً، تارةً بصفة شارٍ لهذه السندات وتارةً بصفة بائعٍ لها، كما أنّه  حمل عبء  تسديد اليوروبوند المستحقة في 28 تشرين الثاني 2019 في ميعادها، بعدما عجزت عن ذلك وزارة المال، نتيجة العجز في المالية العامة للدولة، حيث أنّ المدين الرئيسي هي الدولة مصدر هذه السندات. لذلك، فإنّه يعود لوزارة المالية تسديد اليوروبوند وإدارة سيولتها.

المفارقة أنّه أمام عجز الدولة، لم يمدّ مصرف لبنان يد العون، علماً أنّ هذا الأمر ليس غريباً عن المصارف المركزية. ولكن الغريب والمستغرب في الأمر أن يستدين مصرف لبنان من المصارف التجاريّة المحلية، في حين أنّه من المفترض أن يكون هو المسوّق للسيولة بين المصارف وحامي سوق القطع.

والمشكلة الرئيسة تتمظهر في حال تخلّف الدولة عن السداد، حيث يعود للدائنين مساءلتها وطلب الحجز على أموالها لأنّه وللأسف لقد تخلّت الدولة عن الحصانة السيادية في نشرة إصدار اليوروبوند؛ هذا التخلّي عن الحصانة أتى بصورة عامة شاملة باستثناء ما يتعلق بالعمل الديبلوماسي للدولة من سفارات وغيرها.  تجدر الإشارة، أنّه لو أرادت الدولة أن تستثني أيّ أمر آخر لورد في الاستثناءات. وفي معرض تخلي الدولة عن حصانتها، لقد ورد في نشرة الإصدار أنّ هذا التخلي يجب أن يترجم على أوسع نطاق مسموح به في قانون السيادة الأجنبية الأميركي لعام 1976، وهو تخلٍ لا رجوع عنه. فهل سقط الأمر سهواً عن مجلس الوزراء والمهندس الأكبر والمستشارين وتركوا الموضوع مفتوحاً؟

أمام فرضية أنّ مجلس النواب قد أتاح للحكومة إعادة هيكلة التوقف عن التسديد، وفي حال قرّر حملة اليوروبوند مقاضاة الدولة والحجز على أملاكها، فأصبح بإمكانهم الحجز على ما تملكه الدولة اللبنانية. وحسب الاختصاص القضائي ووفقاً لنشرة الإصدار، فإنّ القاضي الأميركي في نيويورك هو الجهة الصالحة للبتّ بالأمور القانونية لليوروبوند. فمحكمة نيويورك هي التي ستقرّر ما إذا كان يستطيع الدائنون طلب الحجز على الذهب الموجود في مصرف لبنان وبيعه. للبتّ بهذا الطلب، سيبحث القاضي الأميركي ماذا إذا كان مصرف لبنان مملوكاً من الدولة اللبنانيّة. فإذا كان مصرف لبنان مملوكاً من الدولة، فإنّ كلّ ما يملكه مصرف لبنان يصبح عرضةً للحجز بدءاً من الحجز على شركة الميدل إيست إيرلاينز وطائراتها وصولاً إلى الحجز على الذهب الموجود أصلاً للحماية من غدرات الزمان في الولايات المتحدة الأميركية.

ولكن الدائنون لن يمكنهم الحجز على أموال الدولة في لبنان، حيث أن القانون اللبناني يمنع الحجز عليها ولن يعطى الصيغة التنفيذية لأيّ حكم قضائيّ أجنبي مخالف للقوانين اللبنانية؛ فهذا سبب آخر لجعل المصارف التجارية اللبنانية مالكة السندات تقوم ببيعها للخارج.

فعلياً، إنّ نظرية الديون المقيتة (Odious Debts ) تتطابق مع الحالة اللبنانية. فحسب القانون الدولي، إنّ الدين المقيت هو ذلك الدين الذي يبرم خلافاً لمصلحة الشعب ودون رضاه مع دراية الدائنين التامة بذلك. وأساس الدين المقيت هو قروض أو منح تُعطى لأسباب لا تعود على مواطني الدول بأية فائدة. وأن هذه القروض تُنفق لتحقيق ثراء شخصي. ولأن هذه الديون ضد مصالح المواطنين، فهي ديون غير ملزمة للدولة. وهناك الكثير من الحالات التي مُنحت فيها قروض لأنظمة كانت تخوض حروباً عدوانية ضد الدول الأخرى، وتمارس القمع ضد شعبها. وفيما يخص تطبيق نظرية الدين المقيت على لبنان، يمكن القول إن المديونية الخارجية للبنان تعدّ مديونية مقيتة، إذ يمكن إدراج معظم الديون التي ترتّبت على الدولة اللبنانية تحت مفهوم نظرية الديون المقيتة أو الديون البغيضة، يحقّ للشعب اللبناني المطالبة بشطبها، وذلك لأنّ النظام هو الذي اقترض هذه الأموال من دون أخذ رأي الشعب، وهو الذي انتفع من هذه الأموال لتعزيز حكمه وسلطانه وليس الشعب، وهو الذي قام بصرفها من دون الحصول على إذن من الشعب، والطرف الدائن يعلم تماماً أن الأموال سوف تصرف لغير مصلحة الشعب، ومن هنا فان هذه الديون هي ليست ديون الشعب بل ديون شخصية لأهل الحكم الذين تعاقبوا منذ الطائف، ولا بدّ أن تسقط مع سقوطهم.

وهذه النظرية تطبّق أيضاً على المصارف اللبنانية لأنّ الفساد ينخر إدارتها وليست إلا زواجاً ما بين السياسيين والطبقة المالية الفاسدة، الذين أودعوا أموالهم كسندات خزينة لدى مصرف لبنان ليستفيدوا من الفوائد المرتفعة ولم يقوموا باستثمار أموالهم في القطاعات التي تتطلّب الدعم. لماذا على اللبنانيين دفع ثمن السياسات السوداء للمصارف والشركات التجارية المتواطئة، ولماذا على اللبنانيين أن يخضعوا للإجراءات الموجعة ليكون حلّ الأزمة على حسابهم بعد أن تمّ تهريب 26 مليار دولار من الودائع إلى الخارج، في حين أنّ صائد الجوائز الدوليّة كأفضل حاكم في العالم هو من يجب أنّ يتحمّل تبعة سياساته النقدية وهندساته المالية. أمام هكذا جريمة موصوفة بحقّ المال العام والمال الخاص، على المؤتمن على احترام الدستور أنّ يتخذ القرار الجريء !

 

  • شارك الخبر